أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
212
العقد الفريد
وقلت فيه : صحيفة كتبت ليت بها وعسى * عنوانها راحة الرّاجي إذا يئسا وعد له هاجس في القلب قد برمت * أحشاء صدري به من طول ما هجسا « 1 » براعة غرّني منها وميض سني * حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا « 2 » فصادفت حجرا لو كنت تضربه * من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا « 3 » كأنما صيغ من بخل ومن كذب * فكان ذاك له روحا وذا نفسا وقلت فيه : رجاء دون أقربه السّحاب * ووعد مثل ما لمع السراب وتسويف يكلّ الصّبر عنه * ومطل ما يقوم له حساب « 4 » وأيام خلت من كلّ خير * ودنيا قد توزّعها الكلاب لطيف الاستمناح قالت الحكماء : لطيف الاستمناح سبب النجاح ، والأنفس ربما انطلقت وانشرحت بلطيف السؤال ، وانقبضت وامتنعت بجفاء « 5 » السائل ؛ كما قال الشاعر : وجفوتني فقطعت عنك فوائدي * كالدّرّ يقطعه جفاء الحالب وقال العتابي : إن طلبت حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه ، وإياك والإلحاح عليه ؛ فإنّ إلحاحك يكلم « 6 » عرضك ويريق ماء وجهك ، فلا تأخذ منه عوّضا لما يأخذ منك ؛ ولعلّ الإلحاح يجمع عليك إخلاق ماء الوجه ، وحرمان النجاح ؛ فإنه ربما ملّ المطلوب إليه حتى يستخف بالطالب .
--> ( 1 ) برمت : ملّت ، وهجس : تحدّث به سرّا . ( 2 ) مقتبسا : أي طالبا قبسا من وميضها وضوئها . ( 3 ) انبجس : تفجّر . ( 4 ) التسويق : المطل ، ويكلّ : يتعب . ( 5 ) الجفاء : من المجافاة ، وهي المفارقة والبعد . ( 6 ) يكلم : يجرح .